الملا فتح الله الكاشاني
19
زبدة التفاسير
قبله وما بعده ، فإنّ الفسق هو الخروج عن الطاعة والتمرّد في العصيان ، فيدلّ على الطاعة من طريق المقابلة . وقيل : معناه : كثّرنا مترفيها . فيكون من باب : أمرت الشيء وآمرته فأمر ، إذا كثّرته فكثر . وفي الحديث : « خير المال سكّة مأبورة ، ومهرة مأمورة » . والسكّة : الطريقة المصطفّة من النخل . والمأبورة : الملقّحة . وقال الأصمعي : السكّة هاهنا الحديدة الَّتي يحرث بها ، ومأبورة مصلحة . ومعنى الحديث : خير المال كثير النتاج والزرع . ويؤيّده قراءة يعقوب : آمرنا . * ( فَفَسَقُوا فِيها ) * بالمعاصي . وتخصيص المترفين لأنّ غيرهم يتبعهم ، ولأنّهم أسرع في الحماقة ، وأقدر على الفجور . * ( فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ ) * يعني : كلمة العذاب السابقة بحلوله ، أو بظهور معاصيهم ، أو بانهماكهم في المعاصي * ( فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً ) * فأهلكناها بإهلاك أهلها . ومثله : أمرتك فعصيتني . ويشهد بصحّة هذا التأويل الآية المتقدّمة ، وهي قوله : « مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِه » إلى قوله : « وما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً » . وكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِه خَبِيراً بَصِيراً ( 17 ) ثمّ بيّن سبحانه ما فعله من ذلك بالقرون الخالية ، فقال : * ( وكَمْ أَهْلَكْنا ) * وكثيرا أهلك * ( مِنَ الْقُرُونِ ) * بيان ل « كم » وتمييز له * ( مِنْ بَعْدِ نُوحٍ ) * يعني : عادا وثمودا وقرونا بين ذلك كثيرا . والقرن مائة وعشرون سنة . وقيل : مائة سنة . وقيل : ثمانون . وقيل : أربعون . * ( وكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِه خَبِيراً بَصِيراً ) * يدرك بواطنها وظواهرها ، فلا يفوته شيء منها . فيعاقب عليها . ونبّه بهذا القول على أنّ الذنوب هي أسباب الهلكة لا غير ، وأنّه عالم بها جميعا ، فيعاقب عليها .